فخر الدين الرازي
62
لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات
مِنْ حَرَجٍ » « 1 » وما كلفه إلا بقدر الوسع فقال « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها » « 2 » وما كلفه ما لا طاقة له به فقال « وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ » « 3 » وإنما فعل كل ذلك ابتلاء وامتحانا كما قال « إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ » « 4 » وقال تعالى « وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ » « 5 » ثم عم هذا الحكم في حق الكل فقال « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » « 6 » ثم بين كيفية ذلك التكليف فقال « وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ » « 7 » إلا أنه سبحانه لما خلق الإنسان محتاجا إلى التصرف في أمور معاشه ومصالح حياته غير قادر على المواظبة على العبادات في جميع الأوقات ، فلا جرم ألزمه وظائف العبادات في أوقات مخصوصة على وجه التخفيف والسهولة كما قال تعالى « يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً » « 8 » وقال « يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ » « 9 » ثم إنه سبحانه جعل بدن الإنسان مقسوما ثلاثة أقسام . أحدها : قلبه الّذي هو رئيس جوارحه وملكها وهو محل العقل والفهم . والثاني : لسانه الّذي يتلو القلب في الرئاسة ، وجعله آلة العبارة عما في الضمير ، والثالث : سائر الأعضاء ، فإذا تعاونت هذه الأعضاء الثلاثة على فعل واحد تم ذلك الفعل وكمل وبلغ مبلغه
--> ( 1 ) جزء من الآية 78 من سورة الحج . ( 2 ) جزء من الآية 286 من سورة البقرة . ( 3 ) جزء من الآية 286 من سورة البقرة . ( 4 ) جزء من الآية 2 من سورة الإنسان . ( 5 ) جزء من الآية 31 من سورة محمد . ( 6 ) الآية 56 من سورة الذاريات . ( 7 ) جزء من الآية 5 من سورة البينة . ( 8 ) الآية 28 من سورة النساء . ( 9 ) جزء من الآية 185 من سورة البقرة .